الثلاثاء، 6 أغسطس 2013

القرصنة الصومالية في خليج عدن

.... العين بالعين و البادئ أظلم

د. أحمد طويل

شكلت العمليات المثيرة للقرصنة البحرية التي يقوم بها إخواننا في الصومال بالقرب من خليج عدن و المنطقة البحرية المتاخمة للصومال ضد الملاحة البحرية هاجسا̋ أعاد للأذهان القرون الوسطى وما تخللها في تلك العصور من ازدهار لعمليات القرصنة البحرية و الإرهاب عبر البحار.
و تعرف القرصنة بأنها السرقات و الاعتداءات ضد السفن و البواخر في أعالي البحار, أي مناطق بحرية غير مملوكة لأي دولة, أما القراصنة فهم مجرد عملاء لا يتبعون لأي دولة, أما إذا كانت القرصنة لحساب دولة أو حكومة معينة فتسمى بالاعتداء. 
برزت القرصنة في البحر الأبيض المتوسط طوال العصور القديمة، حيث كانت هناك بعض المدن المزدهرة مثل صور و قرطاجنة و غيرها من المدن ذات الأساطيل و التجارة البحرية الغنية، و للقضاء عليهم جهزت المدن الإغريقية أول الأساطيل الحربية، غير أن النتائج ظلّت دون المستوى المطلوب، أما الإمبراطورية الرومانية فقد تمكّنت و هي في أوج قوتها من القضاء مؤقتاً على تلك الظاهرة.
عادت هذه الظاهرة لتبرز في مطلع القرن السادس عشر، بعد سقوط الأندلس، عندما غزا الأسبان السواحل الإفريقية، و سيطروا على عدة مدن و بلدات جزائرية بمساعدة قراصنة أوربيين، فانبرى لمواجهتهم بحارة من الشمال الإفريقي، من الجزائر و تونس و ليبيا، قبل أن تصبح من الولايات العثمانية، بالإضافة إلى البحارة النازحين عن الأندلس بعد سقوطها. و اشتهر من قياداتهم الأخوان عَروج و خير الدين برباروس الذي أصبح قائدا للأسطول العثماني، فتابع ما بدأ به أخوه قبل استشهاده, و صدّ هجمات الأسبان و القراصنة الأوروبيين، و وصل في الردّ عليهم إلى مواطنهم الأصلية، ما بين نيس الفرنسية حتى سواحل "آيسلندا" قرب القطب الشمالي، فكان البحارة المحاربون المسلمون واقعيا من سلاح البحرية للدول التي انتموا إليه، مثل المملكة التي أنشأها عروج في الجزائر، أو من سلاح البحرية العثماني لاحقا، و تعتبر بعض المواجهات من المعارك البحرية الكبرى في تاريخ البحرية، مثل معركة بروزة التي انتصر فيها بارباروس و هو يقود 22 ألف جندي على متن 122 باخرة، ضد قوات أوروبية مشتركة بقيادة أندريا دوريا على رأس 60 ألف جندي على متن 600 باخرة.
و لكن الأوروبيين اعتبروا البحارة المقاتلين المسلمين في البحر "قراصنة" و أطلقوا عليهم وصف "Korsar"، أو لصوص البحار. و قد توفي خير الدين برباروس عام 1546م، بعد أن رسّخ السيطرة العثمانية في البحر الأبيض المتوسط والشمال الإفريقي. آنذاك فقط وتحت تأثير الانتصارات البحرية الإسلامية، ظهرت الأفكار الأوروبية المبدئية في اتجاه مواجهة التفوق البحري الإسلامي، فكان اكتشاف رأس الرجاء الصالح من قبل البرتغاليين الذين استعانوا بالقراصنة لبسط نفوذهم في المحيط الهندي و خليج عدن و الخليج العربي, لإضعاف الممالك و الإمارات الإسلامية. و لا يخفى ما قام به ألفونسو البوكيرك و قراصنته ضد سكان كلكتا المسلمين, فقد قتل الكثير منهم, و عامل الباقين بوحشية فلم يتورع حتى عن قطع آذان النساء و أصابع أيديهن لانتزاع أقراطهن و أسورتهن و حليهن الذهبية الأخرى.
نورد فيما يلي عرضا لمشهد بليغ الدلالة من أعمال القرصنة التي كان يمارسها البرتغاليون كما وصفها يوسف ماجيدوفيتش و فاديم ماجيدوفيتش: "أثناء الحملة الثانية لفاسكو دي جاما اعترضت سفنه طريق سفينة عربية مسالمة أبحرت من ميناء جدة باتجاه كاليكون, و كانت تقل على متنها 400 حاج. و بعد توقيف السفينة و نهبها أمر دي جاما بحبس طاقم السفينة و ركابها بمن فيهم النساء و الأطفال في حجرات السفينة و أوعز بحرقها. لكن السجناء المساكين تمكنوا بصعوبة من الصعود إلى سطح السفينة و إطفاء الحريق. عندها أمر دي جاما بإحراق السفينة العربية ثانية بنيران المدافع، لكن ركاب السفينة تغلبوا على الحريق مرة أخرى, و استمر الأمر على هذه الحالة أربعة أيام بلياليها. و لم يتمكن البرتغاليون من إغراق السفينة العربية بصدمها بالسفن البرتغالية لأن الركاب كانوا يرمون السفن البرتغالية المقتربة بقطع الأخشاب المشتعلة. و في نهاية المطاف تمكن البرتغاليون من حرق السفينة العربية مما أدى إلى مقتل جميع ركابها.
و في سنة 1507م وصل "البوكيرك" إلى سقطرة واحتل الميناء و توجه نحو مدينة "قلهات", فعقد اتفاقيه سلام مع واليها، لكنه عاد و ضرب المدينة و رحل نحو مسقط بعد أن دمر و عاث فسادا̋. و وجد في مسقط مقاومة شديدة من أهلها و قرر عقد السلام مع والي مسقط، لكن وصول ألفي جندي منعوا الوالي من الاستسلام للبوكيرك. الذي استطاع فيما بعد احتلال مسقط و نهبها و تهديم مسجدها.
و في هرمز تحول لون البحر إلى أحمر فقد قتل البرتغاليون الكثير من سكانها, و أحرقوا جميع السفن بجزيرة الراسية بمينائها, و لوث آبار المياه في جزيرة قشم و جزيرة لارك , و لم يخمد حقده على هرمز لكن الرياح لم تساعده فتوجه إلى البحر الأحمر لتدمير أسطول سلطان مصر و احتل "غوا" و جعلها العاصمة البرتغالية للإمبراطورية الهندية اللاحقة.
لم يقف طموح البرتغال عند هذه الحدود بل تجاوزت إلى محاولة احتلال مكة, لكن صعوبة الإبحار أعجزته عن ذلك، وحالت دون تحقيق حلمه في احتلال الكعبة و هدم قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -.وحلمه الثاني تحويل مجرى نهر النيل عن مصر، لكن الله سبحانه وتعالى قذف بأسطوله من " كمران " إلى خارج البحر و ذلك بعاصفة شديدة جعلت سفنه ترسو على الساحل الأفريقي قبالة ميناء " زيلغ " التي دمّرها و رحل.
على صعيد المكافحة العسكرية الفعلية للقرصنة، لم يشهد التاريخ على امتداد أكثر من 25 قرنا التقاء الأساطيل البحرية الغربية في حرب مشتركة ضدّ "القرصنة" قطّ سوى مرتين، جمعتا الأساطيل الأوروبية و الأمريكية، إحداهما ما نعايشه هذه الأيام في خليج عدن و بحر العرب، و الثانية ما كان في واقعه حربا تحت عنوان مكافحة القرصنة في القرن الميلادي السابع عشر في البحر الأبيض المتوسط، و قد شهدت آنذاك تشكيل النواة الأولى لسلاح البحرية الأمريكية بهدف المشاركة في المعارك الحربية ( و كان عدوانها على الجزائر أول عدوان أمريكي على أرض إسلامية و فتح الباب أمام الاستعمار الفرنسي لها ).
 في الوقت الحاضر يصعب التنبؤ بالنتائج، و فيما إذا كان الهدف الأبعد مدى هو السيطرة العسكرية المباشرة على القرن الإفريقي و باب المندب، أما في المرة الأولى فقد كان العنوان الغربي للتحالف حربا̋ ضد القرصنة، و كان واقع الحرب مواجهة عسكرية ضد الدولة العثمانية التي تمثل العالم الإسلامي, و انتهت بموقعة نافارينو عام 1827م، و تلاها على الفور المدّ الاستعماري الأوروبي في الشمال الإفريقي.
 في هاتين الحربين كان العامل الاقتصادي من الدوافع الأساسية للحرب، فاليوم يحتل مضيق باب المندب مكانة متقدمة من حيث قيمته التجارية البحرية، و آنذاك كان المتوسط "بحيرة تجارية".
 وفي هاتين الحربين كان "القراصنة الأعداء" -حسب التصنيفات الاصطلاحية الغربية- من المسلمين، فهم من الصوماليين هذه الأيام، و كانوا من العثمانيين و أهل الشمال الإفريقي آنذاك.
 و فيما عدا ذلك، كانت الأساطيل الغربية يقاتل بعضها بعضا عبر حقب التاريخ، و من وراء كل منها "أسطول" إضافي من القراصنة. 
اذا̋ نستطيع أن نسمي ما يقوم به إخواننا الصوماليون "قرصنة المظلومين", فهي تتركز في مناطق بحرية غنية بالثروة السمكية، بعد أن تحوّل صيد الأسماك إلى قطاع اقتصادي عالمي جعل من الثروة السمكية غنيمة تسيطر عليها أساطيل الدول الصناعية، فلا تدع منها شيئا يذكر لسكان السواحل القريبة، الإفريقية و الآسيوية و الأمريكية الجنوبية، و الذين كانت تلك الثروة السمكية أساس وجودهم المعيشي.
 هذا ما ينطبق أيضا̋ على السواحل الصومالية، حيث بدأت حفريات التنقيب عن النفط من جانب شركات أمريكية، مما ساهم في تلويث مياه المنطقة البحرية الغنية بالأسماك، و حرمت السكان من أحد المصادر الرئيسية للبقاء على قيد الحياة في منطقة اشتهرت عالميا.. بالقحط و الجفاف و المجاعات.
قد يعترض البعض بأن النفط يشكل عامل إنعاش اقتصادي أكثر أهمية من الصيد البحري, هذا ممكن, و لكن ليس على الأرض الصومالية، فقد سبقت تجربة مماثلة مع نيجيريا، حيث لم يقترن القضاء على ثروتها السمكية من أجل التنقيب على النفط بتحقيق حياة كريمة لسكانها بعد العثور عليه، و تصديره إلى الدول الغربية، و لا غرابة أن تنتشر عند سواحلها في الغرب الإفريقي ظاهرة "قرصنة المظلومين" أيضا.
وإذا وجد عذر لفقير مدقع في الفقر سدت في وجهه أبواب الحصول على لقمة العيش إلا عن طريق "القرصنة"، فلا يمكن العثور على عذر وراء تقنين توظيف "غنائم" قرصنة "الأثرياء" عبر التاريخ لتكون هي الأساس الذي نشأ عليه البناء الاقتصادي الغربي الحديث، وهذا ما يزال مستمرا̋ إلى اليوم.
8/2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق