الجمعة، 9 مايو 2014

نظام الملك .. الوزير المصلح

الكاتب: أ/ أحمد عبد الحافظ محمد
باحث ماجستير في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية
دار العلوم – جامعة القاهرة
الإيميل:

نظام الملك .. الوزير المصلح

الوزير المصلح الشهيد نظام الملك رحمه الله واحدٌ من أعظم الشخصيات التاريخية، الذين كان لهم دور كبير في خدمة الشريعة الإسلامية، سواء على صعيد الحكم والإدارة أو على صعيد التأليف والبناء، كما كان له دور بارز في محاربة المد الشيعي الباطني بكل ما حمل من قوة، حتى كانت أول عملية اغتيال قام بها الباطنيون الحشاشون في التاريخ، كانت عملية اغتيال نظام الملك.

نظام الملك .. نسبه ومولده
قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله: "الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير سعيد متدين، محتشم، عامر المجالس بالقراء والفقهاء، أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغب في العلم وأدر على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته". قال ابن خلكان: "كان مولده يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة 408 هـ/ 1017م، في نوقان إحدى قرى طوس" من ناحية نيسابور [1].

نشأة نظام الملك
نشأ نظام الملك يتيم الأم، فقد ماتت أمه وهو رضيع، فكان أبوه يطوف به على المرضعات فيرضعنه حسبة، وكان أبوه من الدهاقين يعمل بالتجارة، وهو من أصحاب محمود بن سبكتكين رحمه الله صاحب غزنة، إلا أنه فرَّغ ولده الحسن للعلم، فقرأ القرآن وله إحدى عشرة سنة، وتعلم علوم القرآن والفقه وسماع الحديث والنحو والعربية والحساب، ونبغ فيها كلها، قال تاج الدين السبكي:"َكَانَ من أَوْلَاد الدهاقين الَّذين يعْملُونَ فِي الْبَسَاتِين بنواحي طوس، فحفَّظه أَبوهُ الْقُرْآن وشغله فِي التفقه على مَذْهَب الشَّافِعِي، ثمَّ خرج من عِنْد أَبِيه إِلَى غزنة وخدم فِي الدِّيوَان السلطاني ورقت بِهِ الْأَحْوَال سفرا وحضرا" [2]. فمع أن نظام الملك نشأ في بيئة متواضعة، إلا أنها كانت لها الفضل الكبير في حسن تربيته وتنشئته، فنشأ تنشئة علمية سليمة.

أخذ نظام الملك العلم عن الإمام أبي القاسم القشيري، وأبي مسلم بن مهربزد الأديب، وأبي حامد الأزهري وأبي منصور شجاع بن علي. وروى عنه أبو محمد الحسن بن منصور السمعاني ومصعب بن عبد الرزاق المصعبي وعلي بن طراد الزينبي، ونصر بن نصر العكبري، وجماعة. وكان رحمه الله فيه خير وتقوى، وميل إلى الصالحين، وخضوع لموعظتهم، يعجبه من يبيِّن له عيوب نفسه، فينكسر ويبكي [3].

أعماله قبل الوزارة
كان نظام الملك عالي الهمة، فمع انشغاله بالعلم إلا أنه كان يعمل في الخدمة لدى الأمراء، وحصل له يوما أن جاءه رجل فقال له: إلى متى أنت تخدم من تأكله الكلاب غدا؟ اخْدُمْ مَنْ تَنْفَعُكَ خِدْمَتُهُ، وَلَا تَخْدُمْ مَنْ تَأْكُلُهُ الْكِلَابُ غَدًا. قال: فَلَمْ أَفْهَمْ مَا يَقُولُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمِيرَ سَكِرَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَخَرَجَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ وَهُوَ ثَمِلٌ، وَكَانَتْ لَهُ كِلَابٌ تَفْتَرِسُ الْغُرَبَاءَ بِاللَّيْلِ، فَلَمْ تَعْرِفْهُ فمزقته، فَأَصْبَحَ وَقَدْ أَكَلَتْهُ الْكِلَابُ [4] فكان لهذا عظيم الأثر في نفسه، فما كان منه إلا أن نذر نفسه خدمة للصالحين والعطف على الفقراء والمحتاجين، ولذلك كان كثير الإنعام على الصوفية، فحصل له من ذلك خير كثير في دينه وآخرته.
سار نظام الملك رحمه الله في الخدمة إلى غزنة، وكاتبا نجيبا، إليه المنتهى في الحساب، وبرع في الإنشاء، وكان ذكيا، لبيبا، يقظا، كامل السؤدد، ولعلو همته تقلد في المناصب حتى تنقلت به الأحوال إلى أن وزر للسلطان ألب أرسلان فدبر أمره فأحسن التدبير، وبقي في وزارته عشر سنين،، ثم وزر لابنه ملكشاه عشرين سنة، فدبر ممالكه على أتم ما ينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبنى الوقوف، وهاجرت الكبار إلى جنابه، وازدادت رفعته. فكان مجموع خدمته في دولة السلاجقة ثلاثين سنة، لم يُنكب في شيء منها رحمه الله [5].

نظام الملك وإعادة هيبة الخلافة والدولة
ذكر أبو شامة في الروضتين عن آثار دولة السلاجقة ووزارة نظام الملك، يقول: " فَلَمَّا ملك السلجوقية جددوا من هَيْبَة الْخلَافَة مَا كَانَ قد درس، لَا سِيمَا فِي وزارة نظام الْملك، فَإِنَّهُ أعَاد الناموس والهيبة إِلَى أحسن حالاتها [6]. ثم إن عسكر ملكشاه بسطوا ومدوا أيديهم في أموال الرعية، وقالوا: ما يمنع السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك، فنال الرعية أذى شديد فذكر ذلك نظام الملك للسلطان، وحذره من العاقبة، ففوض ملكشاه الأمور لوزيره نظام الملك، وخلع عليه، ولقبه ألقابا من جملتها: أتابك، ومعناه الأمير الوالد، فظهر في كفايته، وشجاعته، وحسن سيرته ما هو مشهور، فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجابه، فأنكر ذلك عليه وقال: إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والأعيان لا حاجة بهم إليك، ثم صرفه عن حجابته [7].

اهتمام نظام الملك بالتنظيمات الإدارية
اهتم نظام الملك بالتنظيمات الإدارية فكان اليد الموجهة لأداء الدولة في عهد السلطان ألب أرسلان، واتسعت سلطاته في عهد السلطان ملكشاه، فأشرف بنفسه على رسم سياسة الدولة الداخلية والخارجية بشكل كبير، مستفيداً من فهمه ومعرفته لنظم الإدارة، وقد تضمن كتاب "سياست نامه" الذي ألفه في الآراء والنظريات الإدارية التي تعتبر أساساً لنظام الحكم وإدارة الدول والممالك، ويأتي في مقدمتها وقوفه بشدة ضد تدخل أصدقاء السلطان المقربين في شئون الدولة، حتى لا يتسبب ذلك في اضطراب إدارتها. كذلك كان يهتم بشكل خاص بالبريد الذي كان رجاله يوافون الحكومة بكل أخبار البلاد الخاضعة لها. هذا فضلاً عن حرصه الشديد على إرسال المخبرين إلى جميع الأطراف في هيئة التجار والسياح والمتصوفة والدراويش والعقارين، يتنسمون الأخبار، ويرسلونها للسلطان أولاً بأول حتى لا يخفى عليه شيء من أمور مملكته، وكان يغير الولاة والعمال مرة كل سنتين أو ثلاث ضماناً لعدم تلاعبهم في أعمالهم. كما رتب نظام الملك في كل مدينة رجلاً نزيهاً لمراقبة الوالي والقاضي والمحتسب ومن يجري مجراهم من الموظفين وموافاتهم بأخبارهم أولاً بأول، كذلك كان نظام الملك يدقق في اختيار الموظفين، فيختار من كان منهم أغزر علماً وأزهد نفساً وأعف يداً وأقل طمعاً.

عناية نظام الملك بالمنشآت المدنية
كان للوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي اهتمام كبير بالمنشآت المدنية، خاصة دور العبادة، فبنى كثيراً من المساجد في مختلف البلاد الخاضعة للسلاجقة، كما اهتم بعمارة الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة النبوية، وأقام العديد من الرباطات بالعراق وفارس للعباد والزهاد وأهل الصلاح والفقراء، ورتب لهم ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء، وبنى الوزير نظام الملك مارستانًا بمدينة نيسابور [8].

نظام الملك والنهوض بالحركة العلمية والأدبية
لم تشهد الأمة على مدار قرونها الأولى حركة علمية ناهضة ونصرةً للدين والشريعة مثلما كان في زمن نظام الملك رحمه الله، فجعل للعلماء منزلة، وقام بتأسيس المدارس النظامية، فبنى مدرسة ببغداد وبلخ ونيسابور وهراة وأصبهان والبصرة ومرو وآمل طبرستان والموصل، ويقال إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة وله بيمارستان بنيسابور ورباط ببغداد، وذكر تاج الدين السبكي أَنه لم يكن فِي زَمَانه أكفأ مِنْهُ فِي صناعَة الْحساب وصناعة الْإِنْشَاء، ووصفوه بسداد الْأَلْفَاظ فيهمَا عَرَبِيَّة وفارسية [9].

فكان نظام الملك هو أول من أنشأ المدارس فأقتدى به الناس. وشرع في عمارة مدرسته النظامية ببغداد سنة 457 هـ، وفي سنة 459 هـ جمع الناس على طبقاتهم ليدرس بها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله [10].

وقال القزويني واصفا حاله: "آثاره فِي بلاد الإسلام تثني عليه وعلى علو شأنه وينبيء عن غاية عدله وإحسانه ويكفي شهود لإحيائه السنن وإعلائه لمعالم العلم" [11].

هكذا بذل الوزير المصلح نظام الملك جهودا مضنية في نشر العلم وتقدير أهله، وتيسيره لطالبيه، فما شهد العلماء منزلة عالية بين الناس مثلما كان في عهده، حتى بهرت سيرته في ذلك العقول جودا وكرما وحشمة وإحياء لمعالم الدين، فبنى المدارس، ووقف عليها الوقوف، ونعش العلم وأهله، وعمَّر الحرمين، وعمَّر دور الكتب، وابتاع الكتب فكانت سوق العلم في أيامه قائمة، والعلماء مستطيلين على الصدور من أبناء الدنيا [12].

وأما عن علمه فقال أبو شامة في حقه: "وَبلغ من الدُّنْيَا مبلغا عَظِيما لم ينله غَيره، وَكَانَ عَالما فَقِيها دينا خيرا متواضعا عادلا يحب أهل الدّين ويكرمهم ويجزل صلَاتهم، وَكَانَ أقرب النَّاس مِنْهُ وأحبهم إِلَيْهِ الْعلمَاء، وَكَانَ يناظرهم فِي المحافل، ويبحث عَن غوامض الْمسَائِل، لِأَنَّهُ اشْتغل بالفقه فِي حَال حداثته مُدَّة، وَأما صدقاته ووقوفه فَلَا حد عَلَيْهَا ومدارسه فِي الْعَالم مَشْهُورَة لم يخل بلد من شَيْء مِنْهَا حَتَّى جَزِيرَة ابْن عمر الَّتِي هِيَ فِي زَاوِيَة من الأَرْض لَا يؤبه لَهَا بنى فِيهَا مدرسة كَبِيرَة حَسَنَة وَهِي الَّتِي تعرف الْآن بمدرسة رَضِي الدّين، وأعماله الْحَسَنَة وصنائعه الجميلة مَذْكُورَة فِي التواريخ لم يسْبقهُ من كَانَ قبله وَلَا أدْركهُ من كَانَ بعده" [13].

وأما عن مجلسه فقد كان عامرا بالقراء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح، وأمر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد، وأجرى لها الجرايات العظيمة، وأملى الحديث ببغداد وخراسان وغيرهما، وكان يقول: إني لست من أهل هذا الشأن -لما تولاه، ولكني أحب أن أجعل نفسي على قطار نقلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم [14].

وكان المجلس العلمي لنظام الملك يضم كبار وفحول علماء عصره في مختلف التخصصات الدينية والدنيوية، حتى كان يقضى معهم غالب نهاره، فقيل له: "إِنَّ هَؤُلَاءِ شَغَلُوكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَصَالِحِ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ جَمَالُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ولو أجلستهم على رأسي لما اسْتَكْثَرْتُ ذَلِكَ"، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني قَامَ لَهُمَا وأجلسهما معه في المقعد، فإذا دخل أبو على الفارندى قَامَ وَأَجْلَسَهُ مَكَانَهُ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّهُمَا إِذَا دَخَلَا عَلَيَّ قال: أنت وأنت، يطرونى ويعظموني، ويقولوا فيّّ ما ليس فيّ، فأزداد بهما ما هو مركوز في نفس البشر، وإذا دخل علىّ أبو على الفارندى ذكرني عيوبي وظلمي، فأنكسر فأرجع عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الَّذِي أَنَا فِيهِ" [15].

شيء من عبادته وتواضعه
فقد كان من أخلاقه أَنه مَا جلس قطّ إِلَّا على وضوء، وَلَا تَوَضَّأ إِلَّا وتنفل، وَيقْرَأ الْقُرْآن وَلَا يتلوه مُسْتَندا، إعظاما لَهُ، ويستصحب الْمُصحف مَعَه أَيْنَمَا توجه ..، ويصوم يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس [16].

قال ابن الجوزي: "دخل على المقتدي، فأذن له في الجلوس بين يديه وقال له: "يا حسن رضى الله عنك، برضا أمير المؤمنين وأهل الدين عنك".

وكان نظام الملك يقول: "كنت أتمنى أن يكون لي قرية ومسجد أتخلى فيه بطاعة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك قطعة من الأرض بشربها أقوت برفعها، وأتخلى في مسجد في جبل، ثم الآن أتمنى أن يكون لي رغيف كل يوم وأتعبد في مسجد".

وقال: رأيت إبليس في النوم فقلت له: "ويلك، خلقك الله ثم أمرك بسجدة فلم تفعل، وأنا الحسن أمرني بالسجود فأنا أسجد له كل يوم سجدات، فقال:
من لم يكن للوصال أهلا *** فكل إحسانه ذنوب" [17].

قال ابن الأثير:"كان عالما، دينا، جوادا عادلا، حليما كثير الصفح عن المذنبين، طويل الصمت، وكان إذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه، فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن، ودخل الوقت يأمره بالأذان، وهذا غاية حال المنقطعين إلى العبادة في حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات.

وأسقط المكوس، والضرائب، وأزال لعن الأشعرية من المنابر، وكان الوزير عميد الملك الكندري قد حسن للسلطان طغرلبك التقدم بلعن الرافضة، فأمره بذلك، فأضاف إليهم الأشعرية، ولعن الجميع، فلهذا فارق كثير من الأئمة بلادهم، مثل إمام الحرمين، وأبي القاسم القشيري، وغيرهما، فلما ولي ألب أرسلان السلطنة أسقط نظام الملك ذلك جميعه، وأعاد العلماء إلى أوطانهم.

وقيل: كان ليلة يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد خراسان، وإلى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك، فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرب المقطوع إليه فأكل معه.

وكانت عادته أن يحضر الفقراء طعامه، ويقربهم إليه، ويدنيهم. وأخباره مشهورة كثيرة، قد جمعت لها المجاميع السائرة في البلاد" [18].

هذا وقد عرف فضل نظام الملك على العلم والإنسانية كبار المؤرخين المسلمين وغير المسلمين عبر العصور، فقد أشاد بفضله ول ديورانت في قصة الحضارة بقوله: " وكان ملك شاه (1072م-1092م) أعظم سلاطين السلاجقة على الإطلاق ..، وأسبغ وزيره القدير الوفي نظام الملك على البلاد في عهده وعهد أبيه ألب أرسلان كثيراً من الرخاء والبهاء كالذي أسبغه البرامكة على بغداد في أيام هارون الرشيد. فقد ظل نظام الملك ثلاثين عاماً ينظم شؤون البلاد، ويشرف على أحوالها الإدارية والسياسية، والمالية، ويشجع الصناعة والتجارة ويصلح الطرق، والجسور، والنزل، ويجعلها آمنة لجميع المسافرين. وكان صديقاً كريماً للفنانين، والشعراء، والعلماء؛ شاد المباني الفخمة في بغداد، وأسس فيها مدرسة كبرى ذاع صيتها في الآفاق، وأمر بإنشاء إيوان القبة العظيم في المسجد الجامع بأصفهان، ورصد له ما يلزمه من المال. ويبدو أنه هو الذي أشار على ملك شاه بأن يستقدم إلى بلاطه عمر الخيام وغيره من الفلكيين لإصلاح التقويم الفارسي" [19].

وفاة نظام الملك
بحلول القرن الخامس الهجري كانت فرقة الباطنية الشيعية أو الحشاشين بقيادة حسن الصباح تمثل خطرا داهما على الأمة الإسلامية والمشروع السني، وهو ما فطن إليه نظام الملك جيدا، فعمل من أول يوم على وأد أي تحرك لهذه الأفكار الباطنية الضالة. إذ كان نظام الملك دائما ما يندد أشد التنديد بطائفة الإسماعيلية والتي انحدرت منها الباطنية، ويقول إنها تهدد وحدة الدولة، بل إنه اتهم هذه الطائفة في كتابه (سياسة ناما) بأن زعماءها من نسل المزدكية الشيوعية أهل فارس الساسانية [20].

وعلى الجانب الآخر فقد انتهج الباطنيون / الحشاشون أسلوب الاغتيالات السياسية لكل من يقف عقبة في طريق المد الباطني في بلاد المسلمين، ولم يكن أمامهم في ذلك الوقت إلا نظام الملك، الذي أخذ على عاتقه محاربتهم والقضاء على فتنتهم.

وفي يوم العاشر من رمضان عام 485 هـ، خرج نظام الملك مع السلطان ملكشاه من أصبهان قاصدا بغداد، فاجتاز في بعض طريقه بقرية بالقرب من نهاوند، وحان وقت الإفطار فصلى نظام الْملك الْمغرب فِي هَذِه اللَّيْلَة وَجلسَ على السماط وَعِنْده خلق كثير من الْفُقَهَاء والقراء والصوفية وَأَصْحَاب الْحَوَائِج، فَجعل يذكر شرف الْمَكَان الَّذِي نزلوه من أَرض نهاوند وأخبار الْوَقْعَة الَّتِي كَانَت بِهِ بَين الْفرس وَالْمُسْلِمين فِي زمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمن اسْتشْهد هُنَاكَ من الْأَعْيَان وَيَقُول: "هذا الموضع قُتل فيه خلق كثير من الصحابة زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين فطوبى لمن كان معهم".
فلما أفطر جاءه صبي ديلمي في هيئة مستغيث ومعه قِصَّة، فدعا له الصبي وسأله تناولها، فمد نظام الملك يده ليأخذها فضربه الصبي بسكين في فؤاده، وهرب الصبي فعثر في طُنُب الخيمة فأخذ فقُتل، وَجَاء السُّلْطَان ملكشاه حِين بلغه الْخَبَر مظْهرا الْحزن والنحيب والبكاء وَجلسَ عِنْد نظام الْملك سَاعَة وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ حَتَّى مَاتَ، فَعَاشَ سعيدا وَمَات شَهِيدا فقيدا حميدا.

وَقَالَ بعض خُدَّامه: كَانَ آخر كَلَام نظام الْملك أَن قَالَ: "لَا تقتلُوا قاتلي فَإِنِّي قد عَفَوْت عَنهُ، وَتشهد وَمَات". وحُمل رحمه الله إلى أصبهان ودفن بها. فَيُقَال: إِنَّه أول مقتول قتلته الإسماعيلية.

ولما بلغ أهل بغداد موت نظام الملك حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية، قال:
كَــانَ الْوَزِيرُ نِظَـامُ الْمُلْـكِ لُؤْلُؤَةً *** يَتِيمَةً صَاغَهَا الرَّحْمَنُ مِنْ شَرَفِ
عَزَّتْ فَلَمْ تَعـْرِفِ الْأَيَّامُ قِيمَتَهَا *** فَرَدَّهَـا غَيْرَةً مِنـْهُ إِلَى الصَّــدَفِ [21]
 
فرحم الله الوزير الصالح المصلح الشهيد نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، وجزاه عن الإسلام خيرا الجزاء.
__________
[1] انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر – بيروت 1990م، 2/ 130.
-  الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة : الثالثة 1405 هـ / 1985م، 19/ 94.
[2] انظر: السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو، الناشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1413هـ، 4/ 312.
- ابن كثير: البداية والنهاية، ط دار الفكر 1407 هـ - 1986م، 12/ 140.
ابن كثير: طبقات الشافعيين، تحقيق: د أحمد عمر هاشم، د محمد زينهم محمد عزب، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، تاريخ النشر: 1413 هـ - 1993م، 1/ 478.
[3] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، 4/ 318.
- الذهبي: سير أعلام النبلاء، 19/ 95,
[4] انظر: ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1412 هـ - 1992م، 16/ 304.
- ابن كثير: البداية والنهاية، 12/ 140.
[5] انظر: ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، 16/ 302- 304.
- ابن خلكان: وفيات الأعيان، 2/ 128.
- ابن كثير: البداية والنهاية، 12/ 140.
[6] أبو شامة: عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، تحقيق: إبراهيم الزيبق، الناشر: مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ/ 1997م، 1/ 121.
[7] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى 1417هـ / 1997م، 8/ 236- 237.
[8] انظر: علي الصلابي: دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي، الناشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1427 هـ - 2006م، 1/ 124- 125.
[9] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، 4/ 313- 314..
 [10] ابن خلكان: وفيات الأعيان، 2/ 129.
[11] القزويني: التدوين في أخبار قزوين، تحقيق: عزيز الله العطاردي، الناشر: دار الكتب العلمية
الطبعة: 1408هـ-1987م، 2/ 419.
[12] ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، 16/ 306.
[13] أبو شامة: عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، 1/ 98.
[14] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 8/ 357- 358.
[15] ابن كثير: البداية والنهاية، 12/ 140.
[16] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، 4/ 313.
[17] ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، 16/ 303- 305.
[18] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 8/ 358- 359.
[19] ول ديورانت: قصة الحضارة، تقديم: الدكتور محيي الدّين صَابر، ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمُود وآخرين، الناشر: دار الجيل، بيروت - لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس
عام النشر: 1408 هـ - 1988م، 13/ 315.
[20] ول ديورانت: قصة الحضارة/ 13/ 316- 317.
[21] ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، 16/ 305.
- ابن خلكان: وفيات الأعيان، 2/ 130.
- الذهبي: سير أعلام النبلاء، 19/ 95.

- السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، 4/ 323، 326.
- ابن كثير: البداية والنهاية، 12/ 141.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق