السبت، 28 ديسمبر 2013

أصحاب الأخدود .. عبر ودروس (1)


بقلم: طارق مصطفى حميدة

أورد الإمام مسلم حديث أصحاب الأخدود في كتاب الزهد، وللحديث روايات أخرى عند غير مسلم[1]، لكن تلك الروايات دون رواية مسلم في الصحة وكذلك في اللغة وتماسك النص.
وقد تناول الحديث/ القصة، غير واحد من القدماء والمعاصرين، وكان من أحسنها ما كتبه الأستاذ رفاعي سرور في كتابه( أصحاب الأخدود)، وكذلك ما كتبه أستاذنا الدكتور محمد أبو فارس في كتابه: ( الابتلاء والمحن واثره في الدعوات )، وكان الأديب العراقي داود سليمان العبيدي قد بنى رواية جميلة على حديث أصحاب الأخدود سماها: ( فتاة الجزيرة )، جعلها في بضع مئات من الصفحات.
وقد شاء الله تعالى أن يهتم كاتب هذه السطور بقصة أصحاب الأخدود منتصف الثمانينات من القرن المنصرم، وكتب وريقات عن الموضوع بعثها إلى إحدى المجلات ولم تنشر، كما وألقى عدة محاضرات خلال الفترة السابقة، حتى قدر الله أن يعود إلى الكتابة والنشر من جديد.
ومع أن هذه السطور معنية بالأساس بشرح الحديث الشريف، لكنها تعرج أحياناً على سورة البروج، ولعل الرغبة في سرعة الإنجاز بعد طول التأجيل والتسويف والمماطلة، قد حالت دون الجمع بين تفسير السورة الكريمة وشرح الحديث والربط بينهما، ولعل الله تعالى يعين من أجل التتميم والتكميل، والكاتب يقر بأنه أفاد كثيراً من قدامى العلماء ومعاصريهم، لكنه ضمّن هذه السطور الكثير مما فتح الله عليه، وهو بفضل الله كثير، وحيث إن وحي الله تعالى لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، فإن الباب سيظل مفتوحاً لكل من ينظر في الكتاب والسنة، فيفتح الله عليه.

أورد الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الزهد: باب قصة اصحاب الاخدود والساحر والراهب والغلام:
حدثنا هداب بن خالد. حدثنا حماد بن سلمة. حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن ابي ليلى، عن صهيب؛ ' ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كان ملك فيمن كان قبلكم. وكان له ساحر. فلما كبر قال للملك: اني قد كبرت. فابعث الي غلاما اعلمه السحر. فبعث اليه غلاما يعلمه. فكان في طريقه، اذا سلك، راهب. فقعد اليه وسمع كلامه. فاعجبه. فكان اذا اتى الساحر مر بالراهب وقعد اليه. فاذا اتى الساحر ضربه. فشكا ذلك الى الراهب. فقال: اذا خشيت الساحر فقل: حبسني اهلي. واذا خشيت اهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك اذ اتى على دابة عظيمة قد حبست الناس. فقال: اليوم اعلم الساحر افضل ام الراهب افضل؟ فاخذ حجرا فقال: اللهم! ان كان امر الراهب احب اليك من امر الساحر فاقتل هذه الدابة. حتى يمضي الناس. فرماها فقتلها. ومضى الناس. فاتى الراهب فاخبره. فقال له الراهب: اي بني! انت، اليوم، افضل مني. قد بلغ من امرك ما ارى. وانك ستبتلى. فان ابتليت فلا تدل علي. وكان الغلام يبرئ الاكمه والابرص ويداوي الناس من سائر الادواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي. فاتاه بهدايا كثيرة. فقال: ما ههنا لك اجمع، ان انت شفيتني. فقال: اني لا اشفي احدا. انما يشفي الله. فان انت امنت بالله دعوت الله فشفاك. فامن بالله. فشفاه الله. فاتى الملك فجلس اليه كما كان يجلس. فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فاخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام. فجئ بالغلام. فقال له الملك: اي بني! قد بلغ من سحرك ما تبرئ الاكمه والابرص وتفعل وتفعل. فقال: اني لا اشفي احدا. انما يشفي الله. فاخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب. فجئ بالراهب. فقيل له: ارجع عن دينك. فابى. فدعا بالمئشار. فوضع المئشار على مفرق راسه. فشقه حتى وقع شقاه. ثم جئ بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك. فابى. فوضع المئشار في مفرق راسه. فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جئ بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك. فابى. فدفعه الى نفر من اصحابه فقال: اذهبوا به الى جبل كذا وكذا. فاصعدوا به الجبل. فاذا بلغتم ذروته، فان رجع عن دينه، والا فاطرحوه. فذهبوا به فصعدوا به الجبل. فقال: اللهم! اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فسقطوا. وجاء يمشي الى الملك. فقال له الملك: ما فعل اصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه الى نفر من اصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر. فان رجع عن دينه والا فاقذفوه. فذهبوا به. فقال: اللهم! اكفنيهم بما شئت. فانكفات بهم السفينة فغرقوا. وجاء يمشي الى الملك. فقال له الملك: ما فعل اصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فقال للملك: انك لست بقاتلي حتى تفعل ما امرك به. قال: وماهو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد. وتصلبني على جذع. ثم خذ سهما من كنانتي. ثم ضع السهم في كبد القوس. ثم قل: باسم الله، رب الغلام. ثم ارمني. فانك اذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد. وصلبه على جذع. ثم اخذ سهما من كنانته. ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله، رب الغلام. ثم رماه فوقع السهم في صدغه. فوضع يده في صدغه في موضع السهم. فمات. فقال الناس: امنا برب الغلام. امنا برب الغلام. امنا برب الغلام. فاتى الملك فقيل له: ارايت ما كنت تحذر؟ قد، والله! نزل بك حذرك. قد امن الناس فامر بالاخدود في افواه السكك فخدت. واضرم النيران. وقال: من لم يرجع عن دينه فاحموه فيها. او قيل له: اقتحم. ففعلوا حتى جاءت امراة ومعها صبي لها فتقاعست ان تقع فيها. فقال لها الغلام: يا امه! اصبري. فانك على الحق". 




[1]   - أخرجه مسلم في (الزهد والرقائق), والترمذي في التفسير، والنسائي في التفسير أيضاً ، وهو عند أحمد. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق