السبت، 28 ديسمبر 2013

أصحاب الأخدود... عبر ودروس (9)

 هاجس الفراعنة ... أن يؤمن الناس
طارق مصطفى حميدة

(فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وماهو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد. وتصلبني على جذع. ثم خذ سهما من كنانتي. ثم ضع السهم في كبد القوس. ثم قل: باسم الله، رب الغلام. ثم ارمني. فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني).
( إنك لست بقاتلي)، تأكيد بلسان المقال على واقع الحال، فالواقع والتجربة وتكرار المحاولة كلها تؤكد للملك وتجعله يوقن بعجزه عن قتل الغلام، فالغلام يؤكد هذا المعنى لدى الملك ليبني عليه ما بعده.
إن قول الغلام للملك: (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به)، ثم تحديده الطريقة الوحيدة التي يمكنه من خلالها قتله، هو من قبيل الكرامة للغلام، وإلا فهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وليس مخرجه الاجتهاد وتحليل المواقف، فحسب.
( حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟): من جهة فإن شدة رغبة أعداء الدين في القضاء على المؤمنين، توصلهم إلى درجة من الجنون وفقدان السيطرة، والاستعداد للقيام بأي عمل، واتخاذ أي وسيلة، لبلوغ تلك الغاية، ما يجعلهم يقعون في شر أعمالهم ويرتد كيدهم إلى نحورهم، ولذلك يصبحون مسلوبي الإرادة، أسرى الرغبة في التخلص من الدعاة، حتى ليستعدون لأن يكونوا تحت الأمر، حيث يقول الغلام: ( حتى تفعل ما آمرك به، ويرد الملك بكل خضوع: وما هو؟).
إن التعليمات المفصلة التي أملاها الغلام على الملك، واستسلام الملك لها، يظهر مقدار انهيار نفسية الملك، وبلوغه حالة شديدة من العجز عن اتخاذ القرار أي قرار، ومن جهة أخرى وعي الغلام لهذا الواقع واستثماره، بل إن تسلسل الأحداث يظهر أن الغلام هو الذي أوصل الملك إلى تلك الحالة، ومن ثم ضرب ضربته.
إن عجز الكفار عن القضاء على المؤمنين، ويأسهم من إمكانية ذلك، يجعلهم أقرب للاستماع إلى الطرف الآخر، ومن ثم الامتثال لأوامره، إن قريشاً لم تصبح مؤهلة للجلوس على طاولة التفاوض مع الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا بعد أن أيقنت بعجزها عن القضاء على دولته ودعوته، وذلك بعد خيبتها في غزوة الخندق التي تحزب فيها معهم عرب الجزيرة مع اليهود، فإذا كانت عدة قوى مجتمعة لم تقدر على القضاء على المسلمين فإن قريشاً منفردة لا يمكن أن تفعل ذلك، وقد أدرك الرسول عليه السلام ذلك فأخبر أصحابه أن قريشاً لن تغزوهم بعد عامهم ذاك، ولا يضير أن يكون هذا القول وحياً أو بالتحليل، ولذلك كانت رحلة العمرة التي انتهت بصلح الحديبية، حيث أملى الرسول شروطه في الصلح عشر سنين، وأن من أراد من قبائل العرب الدخول في حلفه كان له ذلك، وكانت قريش تحول دون القبائل والقرب من الرسول عليه السلام ودولته، وقد كان هذا الصلح فتحاً مبيناً، أسلم عقبه وفي أقل من عامين، أضعاف الذين آمنوا في تسع عشرة سنة سابقة، كما أدى هذا الصلح إلى فتح مكة، ونتج عنه اعتراف رسمي بدولة الرسول صلى الله عليه وسلم، أفاد منه الرسول في بعث رسله إلى الملوك والأمراء، بينما كان الذي يشغل مفاوض قريش قضايا شكلية من مثل عودة المسلمين عن العمرة في ذاك العام وأدائها في العام التالي، وألا يقبل الرسول من يأتيه مؤمناً من قريش، وكأن الإيمان يحجزه اتفاقية، أو يمنعه وليّ أو مسؤول.
إنه بقدر ما يحرص الفراعنة على إبعاد الدعاة عن الجماهير ومواطن التأثير فيهم، يجب على الدعاة أن يحرصوا على أن يكونوا دائماً قريبين من الناس متواصلين معهم، من أجل توصيل أفكارهم من خلال اللقاءات الجماهيرية وعبر وسائل الإعلام المختلفة، والبحث عن أكثرها جمهوراً وشعبية، وبالتالي تأثيراً وفاعلية، والعمل في المناطق المركزية والعواصم والمدن الرئيسة، ويكفي أن نتذكر بأن الله تعالى قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم في مكة التي كانت أبرز حواضر الجزيرة العربية، والتي يحج إليها العرب كل عام، عدا عن رحلات العمرة المتعددة سنوياً، وبالتالي لم يكن حاجة لأن يتنقل الرسول في الجزيرة لأن وفود القبائل يصلون مكة مراراً كل عام، ويكفي أن يتحرك الرسول بينهم خلال مناسك الحج أو يزورهم حيث يخيمون، ولم يجد الرسول داعياً لمغادرة مكة أو الانتقال منها إلى غيرها حتى التقى بوفد يثرب ثم كانت بيعتا العقبة فالهجرة، علماً بأن اللقاء بهم كان في مكة في موسم الحج.  
الغلام الذي يدرك ما يدور في عقل الملك، وما يشغل باله ويحرك سلوكه وتصرفاته، يأمره أن يجمع الناس في صعيد واحد ... ساحة واحدة، كيما تصل الرسالة إلى الجميع صافية نقية، وواضحة جلية في أجلى صورة وأنصعها، وهو يدرك مدى أهمية الجماهير وضرورة الوصول إليها والتواصل معها، يدرك ذلك لكونه داعية صاحب فكرة، يحال بينه وبين الناس أن يظهر الدعوة فيهم، حتى إنه ليحتال ويتخفى من أجل الوصول إليهم ودعوتهم، وهو يدرك أهمية الجماهير كذلك مما يعتقد أن الساحر لقنه إياه، لكن من أجل تعبيدهم للملك.
وكأني بالغلام  قد استحضر قصة نبي الله موسى عليه السلام، حين عين موعد اللقاء بالسحرة ﴿ يوم الزينة وأن يُحشر الناس ضحى ﴾، والملاحظ أن الغلام بذكائه وفطنته، صنع مثل صنيع نبي الله موسى عليه السلام، حيث قد استغل كلاهما قدرات خصومه وإمكانياتهم في حشد الجماهير لنصرة دينه وأهدافه السامية، فالملك بسلطاته أقدر على جمع الجماهير.
 ( فجمع الناس في صعيد واحد. وصلبه على جذع. ثم اخذ سهما من كنانته. ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله، رب الغلام. ثم رماه فوقع السهم في صدغه. فوضع يده في صدغه في موضع السهم. فمات. فقال الناس:آمنا برب الغلام. آمنا برب الغلام. آمنا برب الغلام):
ومن جهة أخرى فإن هذه التعليمات المفصلة والتزام الملك بها تهدف إلى إظهار وتأكيد أن ليس أي قدرة على الإماتة، ذلك أن الكنانة كنانة الغلام، والسهم سهمه، سيأخذه الملك من كنانته، ثم سيقول الملك: ( باسم الله رب الغلام) فيقع السهم في صدغ الغلام: بين عينه وشحمة أذنه، والموضع ليس مقتلاً، ثم يضع الغلام يده في صدغه في موضع الجرح فيموت، فإذا الجماهير المجتمعة تصرخ بصوت واحد: ( آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام).
لقد ظن الملك أنه بقتل الغلام تنحل مشكلته ويرتاح من إزعاجه وتنتهي بموته دعوته، ونسي أنه ليس أفعل ولا أقوى من الدم والشهادة ومواقف التضحية والفداء في إذكاء الثورات وتحريك الجماهير، وتفجير براكين غضبها. وهنا وفي اللحظة التي ظن الملك فيها أنه قد ارتاح من الغلام ودعوته بقتله، إذ بهذه الدعوة بعدما كانت حركة فردية خجولة متناثرة، إذ بها تتحول حركة شعبية جماهيرية عارمة، متحدية غاضبة.
لكن ما الذي جعل هذه الجماهير تؤمن بهذا الشكل الجماعي؟
لقد أيقن هؤلاء أن الله تعالى هو وحده المحيي المميت، وليس الملك الذي سقطت دعوى ربوبيته، ومن قبل ترسخ لدى الناس أن الله تعالى هو الشافي وليس ساحر الملك، فماذا عساه يبقى للملك يخدع الناس أنه ربهم الذي ينبغي أن يُخضعوا له رقابهم؟.  
 من الواضح أن هاتين القضيتين في غاية الأهمية من جهة إثبات توحيد الله تعالى، ورد دعاوى الملوك المتألهين، ولذلك رأينا إبراهيم عليه السلام يواجه الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك بقوله: )ربي الذي يحيي ويميت( ولم يخجل ذاك المأفون من الادعاء بأنه كذلك يحيي ويميت، ثم إن خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو يدعو قومه إلى توحيد الله تعالى ونفي الأرباب المزعومة، يؤكد أن ربه سبحانه هو المحيي المميت، بعد أن يؤكد بأنه هو الذي يشفيه إذا ما مرض:  ) وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين(.
وما زلنا في العوامل التي أدت إلى الإيمان الجماعي لتلك الجماهير، والتي منها التضحية في سبيل الدين، والثبات عليه، والاستشهاد في سبيله، من قِبل الراهب والجليس والغلام، حيث تترسخ قيمة الإيمان في النفوس وأنه أغلى من الحياة ذاتها حتى لتطيب التضحية بالحياة لأجله.
ولا ننسى سيرة الغلام من حين قتل الدابة ومضى الناس، ثم حركته بين الناس مداوياً وداعياً، حيث إن الجليس لم يكن الوحيد الذي آمن مع الغلام في السابق، لكن تسليط الضوء على إيمانه دون غيره لأنه كان السبب في أن تتطور الدعوة باتجاه الاصطدام بالملك ونظامه، وتداعيات ذلك، ومن المتوقع بل المؤكد إيمان كثيرين ممن كان يعالجهم الغلام من الأدواء المستعصية وغير المستعصية، سواء اشترط عليهم الإيمان أم لم يشترط، ومن الطبيعي أن هؤلاء قد أخفوا إيمانهم، لكنهم أثروا بشكل أو بآخر في دائرة أوسع. كما أن تحول الغلام من ساحر الملك إلى داعية للإيمان مناهض للملك مما يقوي لدى الناس دواعي تصديقه ومتابعته والاقتداء به.
إن هتاف الجماهي:( آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام) ليشبه قول سحرة فرعون: ) آمنا برب العالمين رب موسى وهارون(، ولعل ذلك كيلا تختلط الأمور ويتزيف الوعي، فالإيمان واضح بالله، وهو خلف قائد واضح معروف، فلا يخدع الناس بالقيادة ولا بالدين، ثم إن القضية ليست قضية إيمان معرفي سلبي مجرد، بل إنه الصراع بين فكرتين وجماعتين وقيادتين، ولا يجوز في حالات الصراع بين الحق والباطل أن يكون ثمة أدنى خلط أو لبس، ومن هنا أيضاً كانت شهادة الدخول في الإسلام تتضمن أن محمداً رسول الله بعد شهادة أن لا إله إلا الله، أي على طريقة محمد صلى الله عليه وسلم في الإيمان، وخلفه في الحركة والاتباع.

( فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس):
إنهم يقسمون بالله: ( قد والله نزل بك حذرك) .. فاسم الله تعالى لم يكن مجهولاً لديهم، وكان لديهم شيء من الإيمان لكن هذا الإيمان ليس هو الذي يحرك الحياة، ويوجه الأحياء.
واللافت أن المحيطين بالملك مع أنهم وإياه في ذات المركب، يشاركونه الحذر من الإيمان والحرب ضد المؤمنين، فلم يقولوا قد وقع بنا حذرنا، بل جعلوه كأنه هو الذي تلقى تلك الهزيمة وحده، وربما لمزيد التحريض ضد المؤمنين، أو لأنهم أحسوا بأن الواقع أكبر منهم ومن الملك، ولعلهم قد نفحتهم ريح الإيمان التي هبت على المكان ومن فيه. 
إن هذا القول من المحيطين بالملك ( أرأيت ما كنت تحذر.. قد والله نزل بك حذرك)، يظهر المحرك الحقيقي الذي يوجه أكثر سياسات الأنظمة الفرعونية وخططها وسلوكاتها ومكائدها وقراراتها، إن لم يكن جميعها، وهو ألا يصبح الإيمان بالله تعالى أمراً عاماً وجماعياً، إنه (الحذر الدائم من إيمان الناس)، ولذلك يحال بين الدعاة وبين الوصول إليهم، وتشوه صورة الدعاة لديهم، ويلاحقون ويطاردون ويسجنون، وتسجل عليهم حركاتهم وسكناتهم، وتتخذ كل التدابير الوقائية كيلا يقع هذا المحذور، وتُفصّل القوانين لهذه الغاية.
ثم حين يؤمن الناس، ولا بد أن يؤمنوا، وقد أبى الله تعالى إلا أن يظهر دينه ويتم نوره، فإن الفراعنة وأزلامهم يضربون أخماساً بأسداس، ويشقون الجيوب ويلطمون الخدود، وتصدر مانشيتات صحافتهم متحدثة عن وقوع " زلازل" أو "براكين" انتخابية كلما اختارت الجماهير القادة الإسلاميين في الانتخابات.
وحين يقول رجال الملك له إنه قد نزل به حذره، فهذا يعني أنه كان يشن حرباً شديدة شعواء ضد الدين وأهله، وأنه كان يمارس نشاطاً دؤوباً في " تجفيف منابع التدين"، وبإمكاننا أن نفسر ما الذي يجعل الراهب يترهبن ويعتزل بدينه بعيداً عن الناس، كما نتفهم سر تحذير الراهب للغلام أن يكشف السر للساحر أو أهل الغلام، ومن ثم تنبيهه ألا يدل عليه إذا ابتلي.
والآن، ومن خلال ما يطلق عليه تفسير القرآن بالسنة النبوية ودون اللجوء إلى الإسرائيليات وأحاديث القصاص، نصبح أقدر على تفسير "الحذر" في قوله تعالى في سورة القصص: ) ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون(، وأن الذي كان يحذر منه فرعون وجنوده، هو هو الذي كان يحذره الملك في قصة أصحاب الأخدود، وهو الإيمان الذي يحرر الناس من عبودية الفرعون بل يجعلهم في مواجهته، وبالذات الإيمان الجماعي، وقد أرى الله تعالى فرعون إيمان السحرة وتحدوه قائلين:) آمنا برب العالمين رب موسى وهارون(.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق